31‏/08‏/2007

أطلقتُ سراحَ الكلمات


عفواً سيدتى .. لا أدرى منذ متى بدأ صمتى منذ متى أصابنى الخرَس ... ما أعرفه أننى من زمن بدأت فى ابتلاع كلماتى لتظل حبيسةَ قفصى الصدرى ورهن الاعتقال بين دفات دفاترى وتحت الاقامة الجبرية .. أمنة فى أدراجى ... كانت كلماتى يا سيدتى ممنوعة من استقبال الزوار .. من تلقى البريد أو ارساله ومحظور عليها لقاء المحامين أو اجراء اى مكالمات خارجية ... قهر أو ظلم أو ديكتاتورية ... سميه ما شئتى .. ان كان قهراً فهو قهر الأب لأبنائه خوفاً عليهم ... ان كان ظلماً فعن غير قصد فالوالد لا يمكن له أن يظلمَ من ولد ... وان كانت ديكتاتورية فكلماتى هن بناتى أخشى عليهن من الوحوش فى زمنٍ أصبحت فيه الاشياء مستباحة وأصبحنا نغتصب فى وضَح النهار ونباع بلا ثمن .. استشرى العهر يا سيدتى حتى صرنا بلا شرف ! سيدتى لا تظلمينى .. كنت أريد عرساً لبناتى وظللت سنيناً احلم بالزفة وبضرب النار .. أحلم بيا .. أنا الاب متأبطاً بناتى لأسلمهن للعرسان ولكِ
سيدتى .. سنوات مرت .. والبنات كبرن وأزددن عدداً .. أيضاً بنات فقلمى لا يلد الا الاناث .. وكلما زاد العدد زاد همى و حملى
سيدتى .. أن أوان الاستسلام و رفع الراية فأنا لا أستطيع الاستمرار فى دائرة الخرس .. كرهتُ المبيتَ فى أحضان الكتمان وسُكنى كهوف الصمت
جمعت بناتى لأبلغهن قرارى وأطلب منهن الصَفح .. قدمتُ لهن نصيحتى الأبوية الوحيدة .. أن حافظن على شرف الكلمة .. قبلتهُن .. فتحت أبوابَ الادراج .. دفات الدفاتر .. شققتُ قفصى الصَدرى .. أطلقتُ سراحَ الكلمات
فاضت دمعة .. سقط القلم .. وتسألت .. هل يا تُرى سيجدنَك يوماً سيدتى
قد يلتقينَك يوماً فاذا حدث .. كونى رحيمة ببناتك
انسى قسوتك قليلاً و أستحضرى حنان الأمومة
سيدتى ... يا سيدة الصمت
أحلامى التى ستكون .. أنتِ فيها
وبناتى اللواتى أطلقت سراحهن منذ قليل كانوا منكِ
سيدتى ... يا سيدة الصمت
كلماتى التى كتبت من زمن كانت لكِ
نمت فى رحم حبك ... ترعرت فى بلاط عشقك
وارجو ألا تموت تحت شمس لقائك

23‏/08‏/2007

صمت


تكلمى الأن أو أصمتى الى الأبدتكلمى الأن لا تخشى أحد
تكلمى قد طال صمتكُ وأنكسرَ الوتد
تكلمى عاد المسافرُ من زمن
يشتاق حضنكِ ... يبحثُ عن سند
بوحى بسركِ ... أفصحى
فالسُر فى الأعناقِ طوقٌ من مسد
ما بالنا و الخوفُ يصفعنا
والليلُ يطوينا ... والروحُ فارقت الجسد
تكلمى ... وتكلمى ... وتكلمى
نادى كثيراً و أرتدَ الصدى
نادى كثيراً ... لا .. أحد
عاد المسافرُ و أرتحل
لشواطئٍ لا تعرفه ... لشوارع قد تنكره
-
-
-
صوتٌ ينادى فى الأفق ... و ... تكلمت
لكنه قد كان ولى وجهه
وبلاد غربته .... قصد


18‏/08‏/2007

عن الخبز و الحرية


جرياً على عادتى كل يوم جمعة وبما انه يوم العطلة الاسبوعية حيث تكون هناك مساحة من الوقت فيه للتفكير و التامل و محاولة الكتابة والتنزه بين ارجاء الشبكة العنكبوتية لمعرفة الجديد ... بدأت فى محاولة الكتابة وأمسكت بطرف خيط الموضوع الذى سأتكلم عنه فى تدوينتى الجديدة ثم توقفت وقررت المرور على المدونات التى عادة ما أمر عليها من ان لأخر لرؤية جديدها وكانت محطتى الاولى فى ... الخبز و الحرية ... مدونة الفنان الرائع / خالد الصاوى وفوجئت بقصيدته الجديدة " تنبؤ " ومنذ قرأتها فى الصباح و هى مسيطرة على سيطرة غريبة شوشت ذهنى وأفقدتنى القدرة على التفكير او الكتابة ولما لم أجد مفراً منها قررت الكتابة عنها
------------------------------------

إني لا أعرف كيف أعيد القدرات الجنسية للعاجز
لا أعرف كيف أعيد الغائب
إني لا أفعل أكثر من معجزة السحرْ
لا أفقس بيضا لكني .. أربطكم في أجنحة الطيرْ
لا أزرع عنبا لكني .. أدخلكم في دائرة السُكْرْ
لا أحيي الموتى لكني .. أحييهم فيكم
لا أزعم أني سأصارع مَلَكَ الموت ولكني .. أفتح فيكم أبواب القبرْ
أرقد فيكم .. أنهض فيكم
أعطيكم تجربة الإحياء .. أريكم روح الأشياء
------------------------------------

هذه يا سادة بعض الكلمات من القصيدة الجميلة .... ابدع خالد الصاوى فى وصف حالة الشاعر وابدع فى اختيار مفرداته ... أضحكنى حين تكلم عن شكل الشاعرْ " الشاعر مرحلة وسطى بين الإنسان القرد وبين الإنسان الطائرْ " وأبكانى حين قال عنه " يبحث عن شرف للفرسان وعن قُبَلٍ للموتى عن ليلٍ فيه قمرٌ وصبيٌّ وصبيّة " يا سادة احسست انه كان لزاماً على ان أعرفكم بهذه الشخصية الجميلة التى قد لا يعرف الكثيرون عنه سوى انه فنان و ممثل لكن ان يكون شاعراً وبهذا التميز و التفرد فهو شئ يستحق أن يفتخر به ونفتخر نحن معه بصفته واحداً منا نحن من يمارسون فعل التدوين وجريمة التفكير وخطيئة الحلم ...... يا سادة أدعوكم وأنا لست صاحب البيت لزيارة خالد الصاوى فى منزله العامر " الخبز و الحرية " وكلى ثقة من كرم ضيافته

10‏/08‏/2007

الساقية

أستيقظ كعادته كل صباح فى تمام السابعة ... وقبل ان ينسى ايضاً كما اعتاد كل صباح مد يده تلقائياً الى علبة دواء الضغط ( مرض ارتفاع ضغط الدم الذى اصيب به من حوالى العامين ) التقط حبة صفراء والقى بها فى فمه وأتبعها برشفة ماء .... قفز من سريره متثاقلاً وبدأ فى عزف سيمفونية تلقائية اعتاد عليها منذ أكثر من عشر سنوات ... وضع البراد على النار الهادئة فى المطبخ وتوجه لأخذ حمامه اليومى وما يتبعه من فرشاة الاسنان و حلاقة الذقن .... الخ ...أنتهى وخرج ليصب الشاى أحضر جريدته من الصندوق خارج شقته وبدأ فى تصفحها سريعاً مجرد قراءة للعناوين الرئيسية وهو يرتشف الشاى وقطعة البسكويت فقد تعود عدم الافطار كما تعود على اكمال قراءة الجريدة فى المساء حين يعود .... أنتهى وقام ليصلى ركعتى الصبح ( منذ سنوات وهو يحاول صلاة الفجر فى وقتها ولا يستطيع ) .... شرع فى ارتداء ملابسه ... ربطة العنق التى يكرهها كرهه للموت ... وقف امام المرأة يصفف شعره الذى كان فجاءة انتبه للشعيرات البيضاء تغزو رأسه دقق ثانية وجد أنها ايضا بدأت فى زيارة شاربه المنمق .... أصابه وجوم مفاجئ ... مشط شعره .... لملم أشياءه ... وخرج ... ركب سيارته الحديثة أدار المفتاح وبحركة لا ارادية كررالنظر فى مرأة السيارة ليتأكد من اكتشافه الاخير .... الأمر صحيح ... عاوده الوجوم . تحرك متوجهاً الى عمله كما أعتاد ايضاً ان يفعل كل صباح ... الأشارة حمراء و الانتظار ثقيل ألحت عليه فكرة غريبة و رغبة عارمة فى زيارة صديق ... بعد الاشارة توقف أمام محل صغير نزل وأشترى علبة سجائر و ولاعة ( رغم أنه أقلع عن التدخين من زمن طويل ) ركب سيارته ثانية و توجه صوب صديقه .... البحر . هو يعلم انه فى هذه الساعة المبكرة عادة ما يكون صديقه وحيداً مثله .... ركن السيارة و نزل أحس بسعادة شديدة لرؤيته ألقى عليه التحية وجلس ... أستأذنه فى اشعال سيجارة وبدأ ينفث دخانها ويفكر .... فكر أولاً فى تلك الشعيرات التى رأها منذ دقائق ثم عاد بذاكرته قليلاً للوراء عشر سنوات أو أكثر ... أرتعب من مجرد التفكير فى عدد الايام وكيف مرت تلك السنوات دون ان يشعر كيف لا يكون للوقت فى هذه البلاد معنىً أو قيمة .... أحس أنه سُرق لكن هل سُرق رغماً عنه أم بأرادته ... أحس بحنين جارف للوطن بدأ يفكر فى أشياء بسيطة و غريبة لم تكن تعنى له شيئاً فيما مضى بل ربما كان يتأفف منها و يلعنها ويتمنى أن يبتسم الحظ له يوماً ليتخلص منها .... أشعل سيجارة أخرى وأبتسم ... تذكر الصباح فى بلاده .. رائحة الشبورة .. الطين فى الشوارع بعد المطر .. بائعة الجرائد .. انتظار الميكروباص .. الصول صالح على باب الكلية وهو يحييه كل صباح ويلتقط منه السيجارة .. زملاء الدراسة .. الاصدقاء .. معرض الكتاب فى شهر يناير .. ضحكة صديقه يحيى الجوهرى الذى واراه التراب مبكراً .. و .. و .. و .. أخرج من جيبه ورقة صغيرة كان قد كتبها منذ أيام نظر فيها ملياً ..... بنك القاهرة مبلغ __ جنيه بنك الاسكندرية __ دولار بنك مصر ___ شهادات ادخار ضحك مجلجلاً بصوته حتى دمعت عيناه أمسك الورقة ... مزقها قطعاً صغيرة وألقى بها الى صديقه .. البحر .. وظل ينظر اليها وهى تطفو على وجهه حتى أختفت .. أستنشق جرعة من الهواء .. أكتشف أنها برائحة النفط تعجب كيف لم يشعر بذلك من قبل .. قام من جلسته تاركاً علبة السجائر و الولاعة .. ركب سيارته ادار مفتاح الكاسيت أتاه صوت فيروز .. سألتك حبيبى لوين رايحين .. دقائق قليلة و وصل الى مبنى ضخم ركن سيارته وسار بخطوات بطيئة .. بدأت نفس الوجوه التى أعتاد على رؤيتها كل يوم فى الظهور .. تجاوز حارس المبنى ولم يحييه .. هو ماله شارد كده ليه النهارده .. سمع الرجل يكلم نفسه .. وصل الى الدور الذى يوجد به مكتبه بدأت التحيات تنهال عليه بكل اللغات .. أشلونك بالخليجى .. صباحو بالسورى .. كيفك باللبنانى .. صباح الخير يا باشا بالمصرى .. جودمورننج سير .. ظل يبتسم للجميع دون أن يرد توقفت الكلمات فى حلقه وكأن شيئاً ألجم لسانه .. أدار مقبض الباب ألقى بجسده فوق كرسيه ضغط على زر جهاز الكمبيوتر ليفتحه .. وأثناء التحميل أسند مرفقيه على طرف المكتب .. رمى رأسه بين كفيه .. أغمض عينيه .. أظلمت الدنيا .... أصوات فى خلفية المشهد شخص ما ينادى .. أضاءة .. شخص أخر بصوت عالى ممسكاً خشبة يصيح .. كلاكيت 4025 مرة ( عدد أيام غربته ) .... شخص أخر بلغة أمرة يبدو انه مخرج أو ما شابه يصيح .... دور ___ الساقية