10‏/08‏/2007

الساقية

أستيقظ كعادته كل صباح فى تمام السابعة ... وقبل ان ينسى ايضاً كما اعتاد كل صباح مد يده تلقائياً الى علبة دواء الضغط ( مرض ارتفاع ضغط الدم الذى اصيب به من حوالى العامين ) التقط حبة صفراء والقى بها فى فمه وأتبعها برشفة ماء .... قفز من سريره متثاقلاً وبدأ فى عزف سيمفونية تلقائية اعتاد عليها منذ أكثر من عشر سنوات ... وضع البراد على النار الهادئة فى المطبخ وتوجه لأخذ حمامه اليومى وما يتبعه من فرشاة الاسنان و حلاقة الذقن .... الخ ...أنتهى وخرج ليصب الشاى أحضر جريدته من الصندوق خارج شقته وبدأ فى تصفحها سريعاً مجرد قراءة للعناوين الرئيسية وهو يرتشف الشاى وقطعة البسكويت فقد تعود عدم الافطار كما تعود على اكمال قراءة الجريدة فى المساء حين يعود .... أنتهى وقام ليصلى ركعتى الصبح ( منذ سنوات وهو يحاول صلاة الفجر فى وقتها ولا يستطيع ) .... شرع فى ارتداء ملابسه ... ربطة العنق التى يكرهها كرهه للموت ... وقف امام المرأة يصفف شعره الذى كان فجاءة انتبه للشعيرات البيضاء تغزو رأسه دقق ثانية وجد أنها ايضا بدأت فى زيارة شاربه المنمق .... أصابه وجوم مفاجئ ... مشط شعره .... لملم أشياءه ... وخرج ... ركب سيارته الحديثة أدار المفتاح وبحركة لا ارادية كررالنظر فى مرأة السيارة ليتأكد من اكتشافه الاخير .... الأمر صحيح ... عاوده الوجوم . تحرك متوجهاً الى عمله كما أعتاد ايضاً ان يفعل كل صباح ... الأشارة حمراء و الانتظار ثقيل ألحت عليه فكرة غريبة و رغبة عارمة فى زيارة صديق ... بعد الاشارة توقف أمام محل صغير نزل وأشترى علبة سجائر و ولاعة ( رغم أنه أقلع عن التدخين من زمن طويل ) ركب سيارته ثانية و توجه صوب صديقه .... البحر . هو يعلم انه فى هذه الساعة المبكرة عادة ما يكون صديقه وحيداً مثله .... ركن السيارة و نزل أحس بسعادة شديدة لرؤيته ألقى عليه التحية وجلس ... أستأذنه فى اشعال سيجارة وبدأ ينفث دخانها ويفكر .... فكر أولاً فى تلك الشعيرات التى رأها منذ دقائق ثم عاد بذاكرته قليلاً للوراء عشر سنوات أو أكثر ... أرتعب من مجرد التفكير فى عدد الايام وكيف مرت تلك السنوات دون ان يشعر كيف لا يكون للوقت فى هذه البلاد معنىً أو قيمة .... أحس أنه سُرق لكن هل سُرق رغماً عنه أم بأرادته ... أحس بحنين جارف للوطن بدأ يفكر فى أشياء بسيطة و غريبة لم تكن تعنى له شيئاً فيما مضى بل ربما كان يتأفف منها و يلعنها ويتمنى أن يبتسم الحظ له يوماً ليتخلص منها .... أشعل سيجارة أخرى وأبتسم ... تذكر الصباح فى بلاده .. رائحة الشبورة .. الطين فى الشوارع بعد المطر .. بائعة الجرائد .. انتظار الميكروباص .. الصول صالح على باب الكلية وهو يحييه كل صباح ويلتقط منه السيجارة .. زملاء الدراسة .. الاصدقاء .. معرض الكتاب فى شهر يناير .. ضحكة صديقه يحيى الجوهرى الذى واراه التراب مبكراً .. و .. و .. و .. أخرج من جيبه ورقة صغيرة كان قد كتبها منذ أيام نظر فيها ملياً ..... بنك القاهرة مبلغ __ جنيه بنك الاسكندرية __ دولار بنك مصر ___ شهادات ادخار ضحك مجلجلاً بصوته حتى دمعت عيناه أمسك الورقة ... مزقها قطعاً صغيرة وألقى بها الى صديقه .. البحر .. وظل ينظر اليها وهى تطفو على وجهه حتى أختفت .. أستنشق جرعة من الهواء .. أكتشف أنها برائحة النفط تعجب كيف لم يشعر بذلك من قبل .. قام من جلسته تاركاً علبة السجائر و الولاعة .. ركب سيارته ادار مفتاح الكاسيت أتاه صوت فيروز .. سألتك حبيبى لوين رايحين .. دقائق قليلة و وصل الى مبنى ضخم ركن سيارته وسار بخطوات بطيئة .. بدأت نفس الوجوه التى أعتاد على رؤيتها كل يوم فى الظهور .. تجاوز حارس المبنى ولم يحييه .. هو ماله شارد كده ليه النهارده .. سمع الرجل يكلم نفسه .. وصل الى الدور الذى يوجد به مكتبه بدأت التحيات تنهال عليه بكل اللغات .. أشلونك بالخليجى .. صباحو بالسورى .. كيفك باللبنانى .. صباح الخير يا باشا بالمصرى .. جودمورننج سير .. ظل يبتسم للجميع دون أن يرد توقفت الكلمات فى حلقه وكأن شيئاً ألجم لسانه .. أدار مقبض الباب ألقى بجسده فوق كرسيه ضغط على زر جهاز الكمبيوتر ليفتحه .. وأثناء التحميل أسند مرفقيه على طرف المكتب .. رمى رأسه بين كفيه .. أغمض عينيه .. أظلمت الدنيا .... أصوات فى خلفية المشهد شخص ما ينادى .. أضاءة .. شخص أخر بصوت عالى ممسكاً خشبة يصيح .. كلاكيت 4025 مرة ( عدد أيام غربته ) .... شخص أخر بلغة أمرة يبدو انه مخرج أو ما شابه يصيح .... دور ___ الساقية

هناك 23 تعليقًا:

البنت الشلبية يقول...

سلام عليكم

قصة جميلة مش عارفة ليه فكرتنى ببابا بالذات لما بيصحى الصبح ..

معرفش بابا هيحس بايه لما يرجع بالزاكرة لعشر سنين ورا

انا بتكلم على بابا لان زى ما قولتلك حسيته فى البوست كمان بابا من اكتر الشخصيات الى اثرت عليا
ربنا يحميه ويخليه يارب

وشكرا ليك يا فندم على البوست الرائع

اسكندراني اوي يقول...

اه يا حازم اه

انت بتعمل ليه كده بس فينا يا عمنا
والله السايقه دي كلنااااااا مربوطين فيها
وخاصه اللي في الغربه زي حالتنا
الغربه اللي بتاكل مننا احلى سنين عمرنا
بتدينا حاجه وتااااااخد الف الف حاجه
روح يا شيييييخ .....وتعالى بسرعه
تحياتي

الحب الجميل يقول...

قصة جميلة وروعة وكلمات مؤثرة بس مو عارفة لية فكرتنى بسخص غالى عندى بس مو بابا طبعا 000؟ وهى الدنيا كدة تاخد من الانسان وتسرق عمرة 00؟

الحب الجميل يقول...

وبالنسبة لاختيارك لعنوان القصة عرفت ياحازم تعبر وتختار اللفظ المناسب كل واحد فينا مربوط فى ساقية والساقية تدور وتلف وتدور الايام بس مرة واحدة هتقف اكيد؟

حازم شلبى يقول...

عزيزتى : البنت الشلبية
أشكر زيارتك الجميلة لمدونتى المتواضعة والتى أتمنى ان تتكرر بما اننا أقارب ...يعنى شلبى و شلبية

حازم شلبى يقول...

صديقى الذى لا أعرفه ولكنى سوف أعرفه يوما ما أن شاء الله ... ابن الاسكندرية معشوقتى الابدية .... انت يا ريس محسسنى انى يوسف السباعى مثلأ وهى كلها حاجات بسيطة بعض الاحاسيس التى تختلج فى صدرى ولابد ان تخرج والا سأموت كمدا بما انى عندى الضغط يعنى واحمد الله انه قد رزقنى بأصدقاء يقرأون ما اكتب وحقيقة دى أصبحت أكتر حاجة بتسعدنى حالياً ... أشكرك يا زميل واتمنى دوام التواصل

حازم شلبى يقول...

أيها الحب الجميل لو قلت شكراً لن تكفى الكلمة فتعليقاتك الدائمة هى التى تدفعنى للمزيد و المزيد من الكتابة كل ما أستطيع قوله .... ربنا يخليك ليا يارب .... وأكيد يوماً ما ستكف الساقية عن الدوران ويعود الطائر الى عشه وأحبابه

Geronimo يقول...

متهيألى
انه القصة دي دايما هنلاقيها بتفكرنا بأشخاص ما

المشكلة انه تفاصيل الحياة دي اللى مالية القصة هي حلم حياة أى شاب دلوقتى

هات اى شاب لسه متخرج من الجامعة مش امنية حياته
الاستقلال المادي والعربية الحديثة والحياة بره مصر والوظيفة في شركة متعددة الجنسيات والحسابات الجارية بالمصري والدولار
كل شاب بيتمنى ده لو هيدفع تمنه عشرين سنة ومئات من حبات الضغط وشعر ابيض

جمال قصتك انك قلت ومقولتش

احساس البطل وما حمله من ضغط وحزن واختناق ووحدة
قاللي انه مش ده الحلم
ولا دي الحياة

وان الحياة
مينفعش تتأجل


الحياة مبتتأجلش
الحياة فقط لتعاش

عييييييييش

تحياتي،

عاليا حليم يقول...

ده انت اديب كبير باه و ليه كمان فى القصص ؟ بس ليه انا باحس دايما فى غربة بين سطورك أنت متغرب عن البلد ؟

اسكندراني اوي يقول...

حازم
يا عم والله الي انت كاتبه دا صحيححححححححححح
ودا اللي خلاني اقولك اللي قولته

حنتعرف وحنتقابل ان شاء الله
***********************************

عاليا
بدل ما تساليه اهبديه تاج نعرف قراره ايه
صح
هههههههههههههههههه

حازم شلبى يقول...

جيرينمو ايتها الفسيفسائية ... والله أنا كنت بدأت أحس انى واحد من الذين أتهمتيهم بارتكاب فعل التدوين فى الطريق العام لذا أنا سعيد بزيارتك الجميلة دى .... ثانياً ما قلتيه عن أمل كل شاب فى ما وصلت اليه هو ما أوصلنى الى هذه الحالة ويمنعنى حتى الان من اتخاذ قرار العودة لكى أعييييييش الحياة التى لا تؤجل والتى وهبت لنا لنعيشها لا لنتفرج عليها من الشباك ... تحياتى واشكرك

حازم شلبى يقول...

عزيزتى ... عاليا حليم أنتى لسه فاكرة ده أنا مغترب مزمن او تقدرى تقولى مغترب حتى الثمالة والظاهر الراجل اللى انا كاتب عنه ده تقريباً عارفه ويمكن حتى يكون أسمه زى أسمى ... أشكرك على مجاملتك الرقيقة وياريتنى كنت عرفت موضوع التدوين ده من زمان عشان كنت قابلت كل هذا الكم من الاصدقاء والعقول الواعية التى تعرف قيمة الكلمة الجميلة أى كانت شعرأ أو نثراً .. تحياتى

حازم شلبى يقول...

أما صديقى الاسكندرانى العريق فلا أملك الا أن أقول له أشكرك يا زميل وحأعرفك يعنى حأعرفك شئت أم أبيت ... أخبار حبيبتنا ماريا أيه ... اسكندرية الصبية بنية امبارح ..أموت فى عودها السرح وفى رمشها الجارح ... مفيش فايدة يا زميل لازم تعزمنى على سمك سنجارى عندكم ما تحاولش تهرب .. أشكرك و تحياتى

أبوشنب يقول...

حازم باشا شلبي

اوعى تفتكر ان الساقية دي في الغربة بس يا صديقي

عارف

وانت عندك في الغربة
مربوط في ساقية وبتدور

ولكن فيه متعة خفية

الحنين

المشكلة انك لو رجعت

هتتربط في ساقية بنفس الشكل

وهتفتقد الحنين

اصحابك مش فاضيين لك

واخواتك كل واحد بقى في بيت ومشغول

والشارع زحمة

ومحدش عاد بيقول

صباح الخير يا باشا على ارض الوطن

حازم شلبى يقول...

صديقى أبو شنب سعيد والله يا باشا بزيارتك الاولى وتعليقك الذى لا اخفيك سراً انه قد احزننى كثيراً للدرجة دى يا ريس الناس اتغيرت فى الوطن مش قادر اصدق ورافض اصدق رغم كل ما اسمعه وستظل فى النهاية هى الحضن الذى نعود اليه مهما طال السفر و الميناء الذى سنرسو عليه يوما بسفننا بعد ان تلفظنا الموانئ انا معاك ان اجمل ما فى غربتنا هو الحنين ولكنه فى النهاية حنين اليها فهى يا صديقى .. الحب الباقى للابد هى فى النهاية أمنا..مصر

اسكندراني اوي يقول...

العزيز حازم على الرحب والسعه
هو انت كمان منضم لنادي المغتربين زي حالاتي
يا لاااااااااااااهوي
والله لما ابقى انزل ابقى اقولك اخبار الماريا ام رمش مش عارف ايه
حاضر بس لما اشوفك

أبو أمل يقول...

الساقية
فصة اكثر من رائعة
والرائع فيها ان كل منا يرى فيها نفسه
على فكرة
الغربة مش بس لمن يبتعدون
عن القطعة الجغرافية
التى تسمى الوطن

اقسى انواع الغربة
يشعر بها
من يتمرغون فى تراب الوطن
ولهؤلاء الذين
ياكلون العيش بالمسامير
ويطلع دينهم عشان
يوفقوا بنود الميه والكهرباء
ببضع ملاليم يسمونها مجازاً
مرتباً

سعيد بمدونتك الرائعة
الشيك

أندلس يقول...

قصتك مع موسيقى مدونتك خلقا جوا أشعرني أنني أمام البحر فلا
أسلوبك متميز جدا
هذا مروري الأول ولن يكن الأخير
كل الود

Leonardo يقول...

القصه شدتنى فى أولها فعلا ولحد الشعر الأبيض وركوب السيارة كنت معاك
لكن بعد كده فى جزئية البحر حسيت بتطويل شوية من غير داعى وبعدين بترجع رشاقة القصة تانى من ساعة دخول المكتب وتشغيل الكمبيوتر ..

ده غير طبعا نقطة مهمة فى رأيى وهى إن البحر والتأمل مش جزء من الساقية اليومية !

باحييك على القصة الجميلة اللى شدتنى لكتابة تعليق -أخيرا لقيت عندى كلام أقوله ;)-
وإن شاء الله القصة الجايه هتشدنى أكتر بس مش هاعلق عليها لأنى مش هالاقى حاجه أقولها :)

مع تحياتى

sahr يقول...

قصه جميلة دمها خفيف بجد
ربنا يوفقك

هاله يقول...

طبعا انا مش عارفه اعلق زى باقى الاصدقاء لانى انا اكتر واحده عارفه الساقيه بتاعتك ده وحاسه بيك كمان بس هى ده الحياه ربنا يقصر ايام غربتك وترجعلنا بالسلامه اختك هاله شلبى

baskota يقول...

قصه جميله وانا بقراها قعدت اتخيل الرجل ده الوحده الجميله والهدوء القاتل فعلا ممكن يكون جواه ممل بس بالنسبه ليه انا نفسى اكون مكان الرجل ده يابخته

عفاف نورحازم يقول...

حازم
انا اسفه انى مستنتش انك تسمح لى بلتعليق
وعموماً القصه دى اروع من انى اكتب اى تعليق
انا بس نفسى اسألك سؤال ممكن؟؟؟
السؤال
حازم انت ليك شنب؟؟؟
والقصه دى ليه اساس من السيرة الذاتيه
هو سؤال رغم بس نفسى اعرف الاجابه